الشيخ محمد الصادقي

412

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

12 - وَلَقَدْ بتحقيق آتَيْنا بجمعية الصفات الربانية لُقْمانَ الْحِكْمَةَ تخلّف : أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ بكل كيانك لأنه اللّه وَمَنْ يَشْكُرْ للّه فَإِنَّما يَشْكُرُ ه لِنَفْسِهِ إذ لا يحتاج اللّه إلى شكره وَمَنْ كَفَرَ باللّه كفرا أو كفرانا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ عن العالمين ، شاكرين وكافرين وعلّ هذه الحكمة عصمة دون رسالة ، فالحكمة هي من عطيات ربانية لكافة المرسلين . 13 - وَ اذكر من عداد حكمته الشاكرة للّه إِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَ الحال هُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ شيئا ولا أحدا بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لا يغفر بعد الموت : " إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ " * ( 4 : 48 ) لأنه تسوية لخلق اللّه باللّه بل وتفضيل له في العبودية على اللّه : " تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ " ( 26 : 98 ) فضلا عمن يفضل غيره عليه في عبودية . 14 - وكما الإنسان موصى بولده ، كذلك وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حكمة شاكرة بالنسبة لهما ، وأهمها الدعوة إلى اللّه ، إذ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وهنا في حمله ووهنا في وضعه ، ومن الثاني أن وَفِصالُهُ عن الرضاعة هو فِي عامَيْنِ مما يدل على أن الوالدة أرحم من الوالد وأحق بتلك الوصية أَنِ اشْكُرْ لِي أن حملت والديك على إنعامك وَلِوالِدَيْكَ بعد ما تشكر لي إِلَيَّ لا سواي الْمَصِيرُ ككل ، لا إلى والديك أو سواهما . 15 - ولذلك وَإِنْ جاهَداكَ جهدهما عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ جهلا في ذلك الإشراك فَلا تُطِعْهُما فقط دون إهانة ، سواء أكان إشراكا في عبادة أو طاعة ، من مفروضة إلى راجحه ، ومن مرفوضه إلى مرجوحه ، بل وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً بين الولد والوالدين " وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ " ( 17 : 24 ) وإن ضرباك وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ فقط ، دون اتباع لهما فيما يخالف سبيلي إشراكا أو عصيانا ثُمَّ بعد الحياة الدنيا إِلَيَّ لا سواي مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ علما وجزاء بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ و " هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " . 16 - يا بُنَيَّ إِنَّها الطاعة في الإشراك باللّه فضلا عن نفس الإشراك به إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ كأصغر ما يعرفه كل إنسان فَتَكُنْ فِي جوف صَخْرَةٍ خفية أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ خفية يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يوم الساعة " إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " ( 45 : 29 ) " يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً " ( 3 : 30 ) إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ في كل جلي وخفي خَبِيرٌ به ، فهو الذي يأتي بكل طاعة في الإشراك به . 17 - يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ دون إتيان بها فقط وَأْمُرْ التارك لمعروف بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ المقترف لمنكر عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ في سبيل الأمر والنهي ، مما يدل عدم إشراط الأمن من الضرر ، إلا إذا كان أضر من ترك الأمر والنهي إِنَّ ذلِكَ الذي أمرناك به ومنه الأمر والنهي على صبر هو مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وثباتها ، فلا بد للآمر والناهي من عزم على أمرهما وثبات فيهما . 18 - ولا تتكبر وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ والصعر داء يصيب الإبل فتلوي أعناقها ، فلا تلو عنقك عن النظر إلى الناس استكبارا وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً وهو كثرة الفرح بمنال أو مال " إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا " ( 17 : 37 ) إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ بل يبغض كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ باستكبار . 19 - وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ اعتدالا فيه وفي كل مشية حيوية دون إفراط أو تفريط وَاغْضُضْ كسرا مِنْ صَوْتِكَ حتى لا يزعج السامعين ، إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ لأنها عالية تخرق الأسماع .